تتفاقم الأوضاع الإنسانية والحقوقية في اليمن، وسط تصاعد العمليات العسكرية والانتهاكات التي تطال المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، في وقت يحتاج فيه أكثر من 22.3 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بحسب تقديرات أممية.
وتأتي التطورات في ظل تصاعد التوتر بين الحوثيين من جهة، والسعودية والحكومة اليمنية من جهة أخرى، بالتزامن مع اتساع نطاق التوترات الإقليمية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ما يزيد من المخاطر التي تهدد المدنيين ويعقّد وصول المساعدات إلى المحتاجين.
وشهد يوليو/تموز 2026 تصعيدًا في الهجمات التي نفذتها أطراف النزاع، مع مؤشرات على وقوع انتهاكات محتملة للقانون الدولي الإنساني. وواصل الحوثيون استهداف سفن مدنية في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، إلى جانب هجمات طالت أعيانًا يُرجح أنها مدنية، بينها مطارات ومنشآت نفطية في السعودية وأهداف مدنية داخل اليمن.
في المقابل، شنت التحالف العربي بقيادة السعودية والقوات الحكومية اليمنية غارات جوية على مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين، بينها مطار صنعاء.
وفي 11 أغسطس/آب، أفادت تقارير بأن هجومًا حوثيًا على سفينة "تهامة" أسفر عن مقتل أربعة من أفراد طاقمها وإصابة آخرين.
وتحذر منظمات حقوقية من أن استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية عمدًا أو بتهور، وكذلك استخدام تجويع المدنيين وسيلةً للحرب، قد يشكل جرائم حرب، داعية جميع أطراف النزاع إلى الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية.
اعتقالات تطال العاملين الإنسانيين
وفي أبرز مظاهر التدهور الحقوقي، يواصل الحوثيون احتجاز عشرات العاملين في الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والمجتمع المدني.
ومنذ 31 مايو/أيار 2024، نفذت قوات الحوثيين مداهمات واعتقالات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واحتجزت تعسفًا 13 موظفًا في الأمم المتحدة وما لا يقل عن 50 موظفًا من منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية، قبل أن تطال الاعتقالات لاحقًا عشرات آخرين.
وبحلول فبراير/شباط 2026، كان 73 موظفًا في الأمم المتحدة، إلى جانب عشرات العاملين الإنسانيين الآخرين، لا يزالون محتجزين لدى الحوثيين. وأفادت المعلومات المتاحة بأن عددًا منهم اعتُقلوا من دون أوامر قبض، وتعرضوا للإخفاء القسري لأشهر، وحُرموا من التواصل المنتظم مع محامين وأسرهم ومن الحصول على الرعاية الطبية المناسبة.
وتصاعدت المخاوف بشأن سلامة المحتجزين بعد وفاة موظف إغاثة تابع لبرنامج الأغذية العالمي أثناء احتجازه لدى الحوثيين في 11 فبراير/شباط 2025.
وترافقت حملة الاعتقالات مع اتهامات أطلقها الحوثيون ضد المنظمات الإنسانية وموظفيها بالتجسس، الأمر الذي أثار انتقادات حقوقية باعتباره جزءًا من حملة أوسع لتقييد المجتمع المدني والعمل الإنساني وإسكات الأصوات المعارضة.
ويرى مراقبون أن هذه الاعتقالات انعكست سلبًا على الاستجابة الإنسانية في اليمن، الذي يواجه أصلًا أزمة حادة في انعدام الأمن الغذائي وتراجعًا في عمليات الإغاثة بسبب نقص التمويل والمخاطر الأمنية والقيود المفروضة على العاملين الإنسانيين.
انتهاكات بحق الصحفيين وقمع الاحتجاجات
ولا تقتصر الانتهاكات على العاملين الإنسانيين، إذ يواجه الصحفيون والإعلاميون في مختلف أنحاء اليمن مخاطر متزايدة.
وفي 24 يونيو/حزيران 2026، قُتل الصحفي محمد عيضة، الذي كان يعمل مع قناتي "العربية" و"الحدث"، في مدينة المكلا إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته. وقالت السلطات إنها توصلت إلى أن شخصين مرتبطين بالحوثيين نفذا عملية الاغتيال.
وفي 27 يونيو/حزيران، اعتقلت قوات الأمن في مأرب الصحفي حمود هزاع أثناء تغطيته فعالية عامة، وقال إنه احتُجز بمعزل عن العالم الخارجي لمدة يومين، قبل الإفراج عنه عقب توقيعه تعهدًا بعدم انتقاد الحكومة المعترف بها دوليًا أو وزير إعلامها.
كما اختطفت قوات الحوثيين الصحفي صلاح الدين الروحاني من منزله في صنعاء في مارس/آذار، ولا تزال المعلومات المتعلقة بمصيره ومكان وجوده غير معروفة.
وفي سياق متصل، شهدت مناطق عدة قمعًا للاحتجاجات السلمية. ففي فبراير/شباط 2026، أفادت تقارير بأن قوات متحالفة مع الحكومة اليمنية استخدمت قوة مفرطة ضد متظاهرين مؤيدين للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن وشبوة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واحتجاز عشرات المتظاهرين في عدن وحضرموت.
كما اعتقل الحوثيون عشرات الأشخاص في سبتمبر/أيلول 2025 بسبب احتفالهم سلميًا بذكرى "ثورة 26 سبتمبر" أو نشر محتوى متعلق بها على وسائل التواصل الاجتماعي.
الألغام تهدد المدنيين
وفي جانب آخر من الأزمة، لا تزال الألغام الأرضية، التي زرع الحوثيون معظمها، تحصد أرواح المدنيين في مناطق مختلفة من اليمن، وسط استجابة محدودة لعمليات إزالة الألغام.
ويشكل انتشار الألغام خطرًا طويل الأمد على المدنيين، خصوصًا الأطفال والمزارعين والنازحين، كما يعرقل عودة السكان إلى مناطقهم وإعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب.
دعوات لتحرك دولي
ومع دخول النزاع مرحلة جديدة شديدة التقلب، تتزايد الدعوات إلى وضع حماية المدنيين في مقدمة الأولويات، ووقف الانتهاكات وضمان محاسبة المسؤولين عن الهجمات غير المشروعة والاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري.
ودعت جهات حقوقية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ولا سيما الحكومات التي تتمتع بنفوذ على الحوثيين، إلى ممارسة ضغوط فعلية من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين تعسفًا، بمن فيهم موظفو الأمم المتحدة والعاملون في المجال الإنساني والمجتمع المدني.
كما طالبت بوقف الأعمال الانتقامية ضد عمال الإغاثة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ودون عوائق إلى جميع أنحاء اليمن.
وتشمل المطالب الدولية كذلك تعزيز رقابة مجلس حقوق الإنسان على وضع حقوق الإنسان في اليمن، بما في ذلك بحث إنشاء آلية دولية مستقلة، أو تكليف مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان برصد الانتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والتحقيق فيها والإبلاغ عنها.
وتؤكد الدعوات الحقوقية أن حماية المدنيين والإفراج عن العاملين الإنسانيين المحتجزين تعسفًا يمثلان عنصرين أساسيين لضمان استمرار عمليات الإغاثة ووصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين الذين يواجهون واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيدًا في العالم.