27 أغسطس 2026
26 أغسطس 2026
يمن فريدم-الحرة


تتحرك الولايات المتحدة بخطى مدروسة تجاه الصين في مسألة العقوبات على إيران والمتعاملين معها، إذ تضغط على شركات وجهات صينية متورطة، دون أن تستهدف بنوكا كبرى حتى الآن.

وفي مساعيها لعزل الاقتصاد الإيراني، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على عشرات الأفراد والكيانات المرتبطة بطهران لدورها في نقل النفط الإيراني وتزويد طهران بتكنولوجيا تستخدم في برامجها الصاروخية والنووية.

ورغم أن العقوبات شملت أفرادا وكيانات في الصين وهونغ كونغ، لم تستهدف مؤسسات مالية صينية كبرى مملوكة للدولة، لكن هذا الأمر لا يعني أن واشنطن قررت عدم اتخاذ موقف صارم إزاء تعاملات بكين، وفق ما أكد مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأمريكية في حديث مع "الحرة".

ونفى متحدث باسم البيت الأبيض في تصريحات لـ"الحرة" القول بإن الإجراءات ضد بكين ليست مشددة بما فيه الكفاية، وأشار إلى تصريحات وزير الخزانة سكوت بيسنت في مؤتمره الصحفي الاثنين، في هذا الشأن.

وفي تصريح لـ"الحرة"، قال جيريمي بانر، وهو محام شغل سابقا منصب كبير المحققين والمحللين في مجال العقوبات لدى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في وزارة الخزانة إن الصين من أكثر الدول التي خضعت للعقوبات في إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية، رغم الاعتقاد السائد بأن واشنطن مترددة في فرض عقوبات عليها.

وكان وزير الخزانة قد أكد الاثنين أن "لا أحد بمنأى عن العقوبات" ، لدى سؤاله عن عدم وجود ذكر للمصارف الصينية في العقوبات الجديدة. وأضاف أنه يجب على كل دولة وكيان الاستعداد لمواجهة العقوبات.

وقال: "إذا سهّلت هذه المصارف المعاملات وكانت جزءا من النظام الذي يحوّل النفط الإيراني إلى أموال، وإلى قمع، فسيتم استهدافها".

وأشار الوزير في تصريحاته أيضا إلى أن أفضل طريقة للتعامل مع الدول هي من خلال "الدبلوماسية الهادئة"، ومع ذلك فقد أشار إلى أن إعلانه هو بمثابة "إنذار". "لمنح الجميع فرصة لتصحيح سلوكهم السيئ".

وأحجم بيسنت عن تحديد الدول التي ستستهدفها عقوبات في المستقبل إذا لم تمتثل، لكنه أشار أيضا إلى مؤسسة مالية كبرى سيتم استهدافها، من دون أن يحدد جنسيتها.

في المقابل، قال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زادة إن الصين وروسيا لم تقبلا الإجراءات الأميركية، متوقعا أن تقاومها دول أخرى.

والصين في الوقت الحالي هي أكبر شريك تجاري لإيران، إذ تستحوذ على أكثر من ربع إجمالي حجم التجارة الإيرانية.

ووفقا لبيانات منظمة التجارة العالمية، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 18 مليار دولار للواردات الصينية و14.5 مليار دولار للصادرات الإيرانية.

وهي أكبر مشترٍ لنفط إيران، فحوالي 80% من شحنات النفط الإيراني تتجه إلى الصين. وتظهر بيانات شركة "كبلر" أن الصين استوردت ما يقرب من 1.2 مليون برميل من النفط يوميا من إيران منذ بداية عام 2026 وحتى الآن، وهي كمية تقل قليلا فقط عما سُجّل في الفترة نفسها من العام الماضي.

وقد انعكست هذه العلاقة التجارية بين الجانبين بوضوح على رد الفعل الأولي للصين بعد فرض العقوبات على إيران، فقد استخدمت بكين نبرة حازمة، لكنها لم تكشف عن إجراءات انتقامية محتملة سواء كانت محددة أو شاملة.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، الثلاثاء، إن تعاون بكين مع إيران يتم في إطار القانون الدولي ولا ينبغي التدخل فيه أو عرقلته، وإن بكين تراقب التطورات عن كثب وستتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها بحزم.

ولم يتضح ما إذا كانت الصين ستبحث عن قنوات مالية بديلة أو طرق لشراء النفط الإيراني أم أنها ستتعامل باليوان أو عملات أخرى بدلا من الدولار.

يقول المسؤول السابق في وزارة الخزانة الذي تعامل بشكل مباشر مع قضايا العقوبات على الصين إن بكين تتبنى "خطابا مزدوجا" فهي من ناحية تشير إلى حماية مصالحها بقوة، وهو خطاب موجه للجمهور المحلي، في حين أن الشركات الصينية "تلتزم" بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية؛ لأن "خطر استبعادها من النظام المالي الدولي يمثل تهديدا وجوديا لها، وستتوقف عن العمل إذا فقدت القدرة على التعامل بالدولار".

وقد أحجمت بالفعل شركات النفط الصينية التي تسيطر عليها الدولة عن شراء الخام الإيراني بسبب علاقاتها الواسعة مع البنوك الغربية، وتتم عمليات شراء النفط من خلال شركات تكرير صينية صغيرة تتبع القطاع الخاص.

ويبدو أن التأثير المباشر للعقوبات الأخيرة المرتبطة فقط بشركات صغيرة وأفراد ليس ضخما ليؤثر على اقتصاد يبلغ حجمه نحو 18 تريليون دولار، غير أن هناك مخاوف صينية من عقوبات في المستقبل سوف تنعكس مباشرة على مستوى الشركات والنظام المالي ككل، عندما تفقد الشركات الخاضعة للعقوبات إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

يشرح مسؤول الخزانة السابق مدى أهمية الدولار، فنحو 89% من معاملات الصرف الأجنبي تتضمن استخدام الدولار الأمريكي، سواء أرادت الدول والشركات استخدامه أم لا ، وفي المعاملات التجارية التي تتضمن أطرافا دولية مختلفة، غالبا يكون هناك بنك وسيط يتعامل بالدولار.

وبمجرد دخول هذه البنوك في مسار المعاملة، تصبح العملية خاضعة للقانون الأمريكي وتُطبَّق عليها القواعد ذات الصلة. والشركات الصينية الكبرى تدرك ذلك جيدا.

ويقول ماكس ميزليش، كبير محللي الأبحاث الاقتصادية والمالية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أيضا إن الصين عندما تحدثت عن الدفاع عن مصالحها فإن الأمر يرتبط فعلا بمصالحها وليس قضية العقوبات على إيران.

وفي حين تُعد الصين لاعبا بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد الإيراني، فإن إيران لا تقدم قيمة كبيرة للصين، باستثناء مبيعات النفط عبر "الأسطول الخفي" يقول المحلل.

لذلك، فإن ما تدافع عنه بكين هو قدرتها على الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار، فالصين، ورغم تطويرها لبنية تحتية مالية بديلة وزيادة استخدام عملتها في الخارج، لا تزال تعتمد بشكل كبير على الدولار لتسوية المعاملات.

وهذا الأمر يمثل ورقة ضغط كبيرة لواشنطن، تستخدمها لدفع الشركاء والخصوم على تغيير سلوكهم.

يقول ميزليش إن الصين ستتكبد خسائر فادحة إذا تضرر وصولها إلى النظام المالي القائم على الدولار.

وكانت المصارف الصينية واحدة من القطاعات التي استهدفتها العقوبات الأميركية في السابق.

أحد هذه المصارف "بنك كونلون" الصيني (Bank of Kunlun)، الذي خضع لعقوبات في عام 2012 بسبب تعاملاته مع ايران، وشارك مسؤول الخزانة السابق الذي تحدث مع "الحرة" في صياغة هذه العقوبات.

بالنسبة إلى ميزليش كانت العقوبات على المصرف رمزية لأنه لم يكن لديه تعاملات كبيرة بالدولار، وبإمكان الولايات المتحدة، الآن، إذا أرادت توسيع العقوبات على الصين، استهداف الشركة الحكومية التي تملك الحصة الأكبر فيه، وهي المؤسسة الوطنية للبترول.

وانهيار هذه القناة الحيوية التي تُستخدم للالتفاف على العقوبات سيكون له تأثر كبير في هذه الحالة.

يقول سعيد قاسمي، وهو محلل اقتصادي إيراني، إن واشنطن قادرة أيضا على استهداف شركات صناعة السيارات الصينية لأنها لديها نحو مليون موظف في إيران، وخروجها سيكون له تبعات كبرى على الاقتصاد الإيراني.

ويلفت محللون إلى أن الإجراءات الأمريكية تجاه الصين تعكس موازنة أمريكية دقيقة في العلاقات، فواشنطن تريد أن تمنح الفرصة للصين لتغيير سلوكها في فترة "الهدنة" الاقتصادية بينهما.

وتأتي الإجراءات الأخيرة أيضا في توقيت بالغ الحساسية، فمن المتوقع أن يزور الرئيس الصيني شي جينبينغ الولايات المتحدة الشهر المقبل للقاء ترامب، في زيارة سوف تركز بالأساس على تهدئة التوتر في العلاقات بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بالحرب الاقتصادية.

وهذا ربما ما يفسر حديث الوزير عن "الدبلوماسية الهادئة" باعتبارها أفضل أشكال التعامل.

يقول المحلل الإيراني سعيد قاسمي نجاد، إن "العلاقات الأمريكية الصينية تفوق بكثير في أهميتها قضية إيران".

وتأتي الزيارة بعد أن أرجأت بكين تطبيق القيود المفروضة على صادرات المعادن الأرضية النادرة مؤقتا، وذلك في إطار انفراجة في العلاقات مع الولايات المتحدة.

ومن المقرر أن تنتهي فترة السماح تلك بعد أسابيع قليلة من الموعد المحدد للقاء الرئيسين شي وترامب.

لكن مسؤول الخزانة السابق الذي تحدث إلى "الحرة" توقع أن تكون الصين الهدف التالي للعقوبات إذا لم تمتثل للمطالب الأمريكية.

وإذا نفذ الوزير تهديداته، فسيكون ذلك مؤشرا واضحا على أن واشنطن لن توازن بين التكاليف والمنافع عند فرض العقوبات، بل ستبذل قصارى جهدها لعزل إيران اقتصاديا بشكل كامل.

ويعيد المسؤول السابق الحديث عن بنك كونولون قائلا :"هذا المصرف أنشأته الحكومة الصينية لتولي المعاملات المالية المتعلقة بإيران بعيدا عن النظام المالي الصيني.. اعتقد أن العقوبات القادمة ستطال مصارف على غرار بنك كولون".

(هاني الفراش)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI