مع انطلاق عام دراسي جديد، يجد ملايين الأطفال في اليمن أنفسهم خارج الفصول الدراسية، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي يواجهها قطاع التعليم بعد أكثر من عقد من الحرب والنزوح والفقر.
وأفادت منظمة إنقاذ الطفل (Save the Children) بأن ما يقرب من ثلثي الأطفال الذين شملهم استطلاع أجرته في أربع مديريات بمحافظات عدن ولحج وتعز لا يذهبون إلى المدارس، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على الأسر وتتقلص فيه المساعدات الإنسانية.
وشمل الاستطلاع 2,214 أسرة، وكشف أن 32% من الأطفال لم يلتحقوا بالمدرسة مطلقاً، بينما ترك نحو ربع الأطفال الذين شملهم المسح التعليم ويحتاجون إلى دعم عاجل للعودة إلى مقاعد الدراسة.
طفل بين المدرسة والعمل
خلف هذه الأرقام قصص لأطفال دفعهم النزوح والفقر إلى الابتعاد عن التعليم. ومن بين هؤلاء وليد، البالغ 17 عاماً*، الذي نزح مع أسرته من الحديدة إلى مخيم في محافظة لحج عام 2017، بعدما أجبره القصف والصراع على ترك منزله ومدرسته وهو في الثامنة من عمره.
يقول وليد إن أصوات الصواريخ والانفجارات كانت جزءاً من حياته اليومية، قبل أن يجد نفسه في مخيم يفتقر إلى المرافق التعليمية المناسبة.
حاول مواصلة دراسته داخل خيام تعليمية مؤقتة، لكن الظروف المعيشية الصعبة سرعان ما دفعته إلى ترك المدرسة والعمل إلى جانب والده المسن، الذي يعمل حمالاً لنقل البضائع الثقيلة.
ويضيف وليد أن الوضع المالي للأسرة جعله مضطراً إلى مساعدة والده في كسب الرزق.
وبدعم من منظمة إنقاذ الطفل، تمكن وليد لاحقاً من العودة إلى المدرسة والوصول إلى الصف التاسع، لكنه يواجه اليوم خطر الانقطاع مجدداً عن التعليم بسبب محدودية المرافق في المخيم الذي يعيش فيه.
الفقر يضع التعليم في المرتبة الثانية
لا يبدو وضع وليد استثناءً في بلد يعاني فيه ملايين الأطفال من آثار الفقر والنزوح والأزمة الاقتصادية.
فقد أظهر الاستطلاع أن نحو ربع الأسر المشاركة تعرضت للنزوح، فيما قالت 92% من الأسر إنها لا تعرف مصدر وجبتها التالية، وأفادت 95% بأنها تعتمد على العمل اليومي لتأمين احتياجاتها الأساسية.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح توفير مستلزمات الدراسة عبئاً إضافياً. وأفادت 84% من الأسر بأنها غير قادرة على تحمل تكاليف التعليم، بما في ذلك الزي المدرسي والكتب والمستلزمات الدراسية.
وتدفع هذه الضغوط بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات قاسية، من بينها إخراج الأطفال من المدارس وإرسالهم إلى سوق العمل.
وبحسب نتائج المسح، ترتبط حالة واحدة تقريباً من كل خمس حالات تسرب دراسي بعمالة الأطفال.
وتشير بيانات اليونيسف إلى أن 12.5% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و14 عاماً يعملون في اليمن، وترتفع النسبة إلى 15.4% في المناطق الريفية، حيث يعمل بعض الأطفال في مهن شاقة وخطرة، مثل جمع الخردة المعدنية والعمل في البناء وجمع الحطب.
مدارس مدمرة وتعليم تحت التهديد
ولا يواجه الأطفال اليمنيون عائق الفقر وحده، إذ أدى الصراع المستمر إلى تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التعليمية.
فقد تعرضت أكثر من 2,375 مدرسة للضرر أو التدمير، أو جرى استخدامها لأغراض عسكرية أو كملاجئ للنازحين، ما حرم أعداداً كبيرة من الأطفال من الوصول إلى تعليم منتظم.
كما أصبح الطريق إلى المدرسة نفسه مصدراً للخطر، في ظل الهجمات التي طالت المؤسسات التعليمية أو وقعت أثناء توجه الطلاب والمعلمين إليها.
ووفق تقرير حديث للتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، تعرض 283 طالباً ومعلماً للقتل أو الإصابة نتيجة هجمات استهدفت قطاع التعليم في اليمن خلال عامي 2024 و2025، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً.
6.6 مليون طفل خارج المدارس
وتأتي هذه الأرقام في ظل أزمة تعليمية أوسع نطاقاً على مستوى البلاد.
فوفق خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في اليمن، يوجد نحو 6.6 مليون طفل خارج المدارس، أي ما يعادل نحو ثلث إجمالي عدد الأطفال في البلاد.
وفي المقابل، يحتاج أكثر من 22.3 مليون شخص في اليمن إلى المساعدات الإنسانية، بينهم نحو 12.2 مليون طفل، في وقت تواجه فيه الاستجابة الإنسانية أزمة تمويل حادة.
ولم تحصل خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الماضي سوى على 25% من التمويل الذي تحتاجه، الأمر الذي أدى إلى إغلاق بعض البرامج وتقليص خدمات أساسية يعتمد عليها ملايين اليمنيين.
ومع ارتفاع تكاليف الغذاء والوقود، تجد الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: تأمين الطعام والعمل والسكن أولاً، بينما يأتي تعليم الأطفال في كثير من الحالات في مرتبة لاحقة.
تحذير من فقدان جيل كامل
وتحذر منظمة إنقاذ الطفل من أن استمرار هذه الظروف قد يحول أزمة التعليم إلى أزمة طويلة الأمد تهدد مستقبل اليمن.
وقالت ريشانا حنيفة، المديرة القُطرية لمنظمة إنقاذ الطفل في اليمن، إن الأطفال يواجهون خطر التحول إلى "جيل ضائع"، مع دفع الأزمة المتفاقمة لهم بعيداً عن الفصول الدراسية وإلى بيئات عمل قد تكون خطرة.
وأكدت أن فرص عودة الأطفال إلى المدارس تتراجع كلما طال بقاؤهم خارج التعليم، وهو ما قد يؤثر مستقبلاً على قدرة اليمن على التعافي وإعادة البناء بعد أكثر من عقد من الصراع.
وترى المنظمة أن التعليم لا ينبغي أن يُعامل باعتباره ترفاً يمكن تأجيله خلال الأزمات، بل حقاً أساسياً لكل طفل، داعية إلى توفير تمويل إنساني أكبر ومستدام لمساعدة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية وتمكين أطفالها من إبقاء أطفالها في المدارس.
كما دعت إلى ضمان توفير بيئة تعليمية آمنة وشاملة لجميع الأطفال.
أزمة تتجاوز حدود المدرسة
في اليمن، لا تبدو أزمة التعليم منفصلة عن بقية الأزمات الإنسانية، بل هي نتيجة مباشرة لتشابك النزوح والفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وعمالة الأطفال وتدمير البنية التحتية ونقص التمويل.
وبينما يبدأ العام الدراسي الجديد، لا يقف ملايين الأطفال أمام أبواب المدارس، بل أمام خيارات أكثر قسوة: العمل بدلاً من الدراسة، أو النزوح بدلاً من الاستقرار، أو البقاء خارج التعليم إلى أجل غير معلوم.
وتحذر التجربة الحالية من أن استمرار هذه الحلقة قد لا يحرم جيلاً من التعليم فحسب، بل قد يترك آثاراً طويلة الأمد على مستقبل بلد بأكمله.
وتعمل منظمة إنقاذ الطفل في اليمن منذ عام 1963، وتنفذ برامج في مجالات التعليم وحماية الطفل والصحة والتغذية والأمن الغذائي وسبل العيش والمياه والصرف الصحي والاستجابة للطوارئ في مناطق مختلفة من البلاد.
تم تغيير اسم الطفل حفاظاً على خصوصيته.
المصدر: Save the Children